يكتب أمييل ألكالاي أن غزة لم تعد مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل تحولت إلى إنذار مبكر لما قد يطال العالم كله، في ظل استمرار الإبادة الإسرائيلية بلا رادع، ومع تصاعد القوى التدميرية للإمبريالية التي تعيد تشكيل المنطقة سياسيًا وأخلاقيًا. ويرى الكاتب أن ما يجري يتجاوز حدود فلسطين، ليكشف منطقًا عالميًا يسمح بالعنف حين يخدم المصالح.

 

في مقال نشره موقع ميدل إيست آي، يستعرض ألكالاي مشاهد متناقضة من قلب غزة: تخريج أطباء جدد بين أنقاض مستشفى الشفاء، واحتفال مئات بحفظ القرآن في مخيم الشاطئ، وتجمّع آلاف في خان يونس لإعلان زيجات جماعية، في مقابل مشاهد قمع ودمار تعرضها القنوات الإسرائيلية باعتبارها إنجازًا عسكريًا.

 

حياة تحت الإبادة

 

يسلط المقال الضوء على واقع يومي بالغ القسوة، حيث يواصل الاحتلال حصار مدن وقرى الضفة الغربية، ويقتل السكان، ويعتقلهم، ويصادر الأراضي، ويقتلع أشجار الزيتون، ويهدم البيوت، بينما يبرد أطفال غزة حتى الموت نتيجة خرق إسرائيل المتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار. ويشير الكاتب إلى مقتل أكثر من 400 فلسطيني خلال مئات الانتهاكات للهدنة، مع تصاعد شهادات عن اعتداءات مروعة، من بينها استخدام الكلاب لاغتصاب معتقلين فلسطينيين.

 

ويتوقف ألكالاي عند استهداف الصحافة الفلسطينية، حيث قُتل أكثر من 700 فرد من عائلات الصحفيين، في سياسة عقاب جماعي ممنهجة. وينقل عن محمد اللحام من نقابة الصحفيين الفلسطينيين قوله إن الاحتلال «لا يميز بين الكاميرا والطفل، ولا بين القلم والبيت»، في حرب شاملة على الحقيقة.

 

عالم بلا خيال أخلاقي

 

ينتقل المقال إلى المشهد الدولي، حيث تواصل إسرائيل توقيع صفقات غاز وسلاح مع مصر وألمانيا والإمارات، بينما تدرس أستراليا شراء تقنيات مراقبة إسرائيلية. وفي السياق نفسه، يعترف الكاتب بإرباك ناتج عن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، متسائلًا عما إذا كان ذلك تمهيدًا لنقل سكان فلسطينيين أو مجرد استكشاف لتمركز أمريكي جديد، خاصة مع تصاعد القصف الأمريكي في الصومال.

 

ويقارن ألكالاي هذا المسار بتجربة «الحرب على الإرهاب» بعد هجمات 11 سبتمبر، مستشهدًا بتقرير لجنة التحقيق الأمريكية الذي تحدث عن «فشل في الخيال». ويرى أن مراكز القوة العالمية تعاني اليوم من تضييق متعمد لآفاق التفكير، وتقسيم العالم إلى «نحن» و«هم»، ما يجعل الإبادة ممكنة ومبررة سياسيًا.

 

ويؤكد أن السياسات الأمريكية، من أفغانستان إلى العراق وليبيا وسوريا، تركت ملايين القتلى والمشردين، دون أن تترك أثرًا حقيقيًا في الوعي العام الأمريكي. وعلى الرغم من خطاب إدارة ترامب الرافض لـ«الحروب الأبدية»، يكشف الواقع عن استمرار منطق الحرب، مع تبني سياسات «إسرائيل أولًا» بلا مواربة.

 

وعي عالمي يولد من الدم

 

يشير الكاتب إلى تحول نوعي في الوعي العالمي، بعد قرن من مقاومة الفلسطينيين للاحتلال، حيث باتت جرائم إسرائيل وانتهاكاتها أكثر وضوحًا أمام الرأي العام الدولي. ويرى أن هذا التحول لا بد أن يُبنى عليه سياسيًا ومجتمعيًا، مع التذكير الدائم بأن هذا الوعي يُدفع ثمنه بدم الفلسطينيين، في إبادة سيستغرق استيعاب فظائعها أجيالًا.

 

وينتقد المقال عجز مراكز القرار عن مقاومة البنى التي تغذي الإمبريالية والاستعمار، معتبرًا أن تدمير المجتمعات لا يهدف فقط للسيطرة، بل لإعادة تشكيل العالم على صورة استهلاكية فارغة، تقطع الشعوب عن ذاكرتها وجذورها.

 

ويختم ألكالاي بالعودة إلى غزة باعتبارها بوصلة المستقبل، ناقلًا عن فنانين ومحامين من القطاع إيمانهم بأن الخيال لا يُهزم بالقوة. ويستشهد بقول المحامي أحمد عاشور: «غزة اليوم ليست استثناءً، بل إنذار مبكر». ويخلص إلى أن طريقة استجابة العالم لهذا الإنذار ستحدد مصير الحياة السياسية العالمية في السنوات القادمة.



https://www.middleeasteye.net/opinion/gaza-early-warning-will-world-heed-it